فوزي آل سيف
166
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
عندما يواجه أحد هؤلاء مشكلة، يفكر لها في حلول، ويجرب احداها، والثاني وهكذا، حتى يستنفد حلوله الخاصة، وهنا لا ينتهي الأمر به إلى اليأس والقنوط من جراء محاولة الحلول التي لم تنجح وإنما يبقى عنده في الأخير أمل كبير في أنه بعدما عجز عن اجتراح الحلول الخاصة به لم يبق إلا (رحمة الله). وقد نقل عن بعض العلماء وأصحاب الأذكار، أنه إذا ضاقت به السبل: سبل المعيشة وغيرها، وانسد أمامه الحل البشري، يلجأ إلى ذكر معروف بينهم، فيقرأ بعد الصلاة: آية الكرسي، ثم تسبيح الزهراء عليها السلام ثم سورة التوحيد ثلاثا، وهي بمثابة ختم للقرآن - كما ورد في روايات متعددة - ثم يصلي على محمد وآله ثلاثًا. اللهم صل على محمد وآل محمد. ويختمها بالآيتين المباركتين: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (*) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)[378] ثم يقرأ هذا الدعاء: "يَا مَنْ إِذَا تَضَايَقَتْ الأُمُورُ، فَتَحَ لَهَا بَابًا لَا تَذْهَبُ إِلَيهِ الأَوْهَام، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَافْتَحْ لِأُمُورِي المُتَضَايِقَةِ بَابًا لَم يَذْهَبُ إِلَيهِ وَهْمٌ"[379]. فحتى لو انسدت الأبواب المحتسبة، والحلول المقترحة في ذهني. فينبغي أن أفكر في أن هناك أبوابا وطرقا لم يصل إليها وهمي وخيالي، وأنها عند الله سبحانه، وهذه هي إحدى المسافات بين العبد الناقص والرب الكامل، بين العبد العجز وبين السميع البصير ومن هو على كل شيء قدير. إن هذا النمط من التفكير ناشئ عند هؤلاء من حسن الظن بالله، والثقة به وينتج كما وردت به روايات كثيرة: "أَنَا عِنْدَ حُسْنُ ظَن عَبْدِي بِي". كما تتيح لنا النظرة الاجتماعي في الطرف المقابل أشخاصًا يائسين متشبعين بالقنوط، يقيدهم عن الشعور بالأمل، ويلون لهم الحياة باللون الداكن! فهو مع أول مشكلة تراه محبطًا متعبًا يتساءل: لماذا أنا؟ وليس غيري؟ وكأنه كان ينبغي أن تذهب المشاكل إلى الآخرين وتتخطاه، حتى إذا اقترح عليهم أحدهم حركة أو حلًّا راح هذا يقنعه بأنه لا فائدة في ذلك ولا منفعة! فإن حظه ـ هكذا يقول ـ سيء وأنه لو ذهب إلى ماء البحر لجفّ! ثم يبدأ بالبرهنة لمخاطبيه ومحرضيه على أنه جرب الحلول كلها في موضع سابق فلم تزد المشكلة إلا تعقيدًا! وهكذا.. حتى ليحس الجالس معه أن عليه أن يفارقه لئلا يفسد عليه متعة الحياة بالأمل! إن طبيعة هؤلاء السوداوية واليائسة تجعلهم دائما يتوقعون أسوأ الاحتمالات في كل قضية تعرض لهم! ويبعدون أي بارقة أمل! وبالطبع فإن من يزرع الشوك لا يجني العنب، وأن النتائج تأتي بحسب المقدمات التي جهزت.. فلا يلقى هؤلاء غير السوء! لأنهم لم يزرعوا غير شجرته. بل حتى عندما تذكره بأن الله على كل شيء قدير، وأن رحمته وسعت كل شيء، و(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)[380].. فهو وإن كان يؤمن نظريا بكل ما سبق إلا أنه بينه وبين ونفسه ليس مقتنعا بأن هذا مرتبط بموضوعه! فالله على كل شيء ـ من الأشياء الأخرى ـ قدير! وإن مع العسر يسرا! لكن قضيته تختلف! ولعل هذا إذا تكرس في الإنسان كعقيدة، سيتحول هذا من (الضالين) غير العارفين بقدرة الله وسعة رحمته الذين تم وصفهم في الآية المباركة إلى (الكافرين) الذين تحدثت عنه الآية المباركة (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87).
--> 378 الطلاق: 2ـ 3 379 نسب هذا الدعاء للإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه كما في صحيفة المهدي 1/ 6 380 الشرح: 6